كأن العالم أعرج

المجموعة الأم: كتب المجموعة: كتب شعر
كتب بواسطة: المولدي فروج الزيارات: 295

 

كأنّ العالم أعرج

الكتاب :كأن العالم أعرج

الكاتب: المولدي فروج

الصنف: شعر

صورة الغلاف : للشاعر حسن بن عبدالله

المطبعة: الشركة التونسية للف

الترقيم الدولي: 4-0639 -0-9973-978

الطبعة الأولى :2009

 

مصافحة

الى الشعراء

أولئك الذين انتصروا للحلم

إلى الذين امنوا بقدرة الكلمة

على مصافحة الحلم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ذاكــــرة النّــار

بقلم:  د. عثمان بن طالـب

من أين تأتي النار؟ هذا سؤال الأسئلة.. من فجر البدايات إلى بزوغ الخير والحقّ والجمال في ملحمة الوجود. هو  سؤال الشِّعر منذ الأساطير الأولى حيث مجاز الطهر والخلق والصعود ‘إلى دائرة النور والاحتراق بسعير الجسد والمعنى وجوهر الروح، سؤال الشعر منذ تلبست به لعنة الجنون في قول الرّب، خطاب الخطيئة وموقع التفرد والعصيان وتهمة الشعراء.

  يقف المولدي فروج أمام احتمالات السؤال ينظر من شرفته إلى قرص الشمس يعكس في فضاء الكون بركان الأرض.بين النور والنار، يطلع النهار على الناس .يتهجّى الشاعر دفتر الأيام ويتلمس دفء السؤال ومرارته . من وجع الكلمات يولد القصيد معمارا لإقامة الكائن المثقل بالسؤال.

   في هذه المحطة الشعرية التاسعة،يراوغنا الشاعر بالعنوان:عنوان المكان وعنوان الكيان."أنت اكتشفت النّار" إحالة على الأنا/الآخر،إعلان فعل كشف ومكاشفة ومرجعية ميثوثلوجية على سيدة الحياة: النار تجمع في صلبها نسغ البداية ورمز الغواية ...هو الشاعر ينعكس في مرآة الشعر في عصر الحصار والهزائم وثقافة الغربة،يعلن انتماءه لسلالة ملوك الدهشة والاختلاف. تأتي النار إذن من صلب أسطورتنا الأولى.منذ الأسطورة الأولى حيث واجه الكيان الآلهة والطبيعة بالرغبة الجامحة في سرقة لهب الأسرار، منذ بداية الحضارة في دهشة ذاك البدائي الوحيد في الكون و فرحته الطفولية:

 " يهندس دبّابة من صخور ٍ/

 ويخترع النّارَ /

 من ضرب خدّ الحجرْ..

هي النار/الحرام تراود طائر الفينيق لموعد حقيقته. يجنح إلى موته المتجدّد وينتفض في الرماد ... وهي النار الكلام تنبجس من لعبة الرمز ، من حجر الكلمات ورحم الخطيئة:

" على الشِّعر أن/

 يتغطّىَ بريشِ الحرامِ/

 ويصنعَ أجنحةً للبَشرْ..."

  في ريش الكلام الحرام يعشش سؤال الذاكرة الحية ويبيض فراخا، قصائد تحلق بالشاعر بريح الروح الحرة...يتسع المدى ويحفل الصمت بنداء الهوامش،ينتفض الكيان برغبته في بصيرة الشمس تنير البيوت و تؤثث غربتها بالمعاني . في كل الأحوال سيعلو الكيان " طيرا أو خيط دخان " .

 تطلع هذه القصائد من " ضيق الخاطر" بانقلاب الحروب على الحروف، هو قلب الساهر يرمم شتات فوضاه ويحتفي بمنفاه.

" من نبض يتهاوَى/

 وضبابٍ من تعبٍ ليْلِيّ

ودخانٍ .. و رماد الكلمات.."

هذه مشهدية السؤال وحكمته: إطلالة على جوهر الشعر الذي يرفض الانتحار...إلى تلك الحقائق الأولى التي حاصرتها الأكاذيب في ممالك المراعيب. يرتحل الشاعر مخترقا جنون البشر متحرّقا لأسفار التكوين وحميمية النشء الأول..يمشي في المكان والزمان على شوك الشوارع الملتهبة بالرماد ،يتهجى سيميائية العلامات المسكوت عنها" كما لو كان يمتلك الأفق " ينفتح السفر الأول على استعارة النار الأولى : كيف خرج الإنسان من وحدته وجابه هشاشته وراود الطبيعة ؟..كان لصدفة الحجر بريق الإرادة وتوهج الحدس، رغبة الصعود إلى مناطق الخوف:سر الآلهة جوهر الأشياء و تجليات السماء وصدى الدعوات.

و كانت النار النور الطهر الانبعاث التمرد النعيم والجحيم و البركات، روح الكون الشمس مجاز الخلق ونبض الحب و الجسد.

  من هذه الصفحة الكونية السابقة لقصص الطوفان تشكلت القصائد في فضاء متقاطع الدوائر كقرص الشمس يتوهج خيوطا وخطوطا، مرايا مسكونة بالبوح والجرح ، بوح التعب وجرح العرب ومواعيد الغضب المؤجلة ...تتقاطع الاتجاهات أو لعلها تتيه في تشظّي المكان وتوتر الزمان ، تتداعى الصور على وقع السؤال:

من أين تأتي النّار

 يا لهفي على كفّّيْهِ 

 فالكبريت في أيدي العربْ ؟...

هذا عنوان الإقامة : بلاد وعباد، أسماء وأجساد صحراء عاجة بمدنها المعروضة للمزاد ...لا شيء يباع في شوارع الحداثة الموهومة إلاّ براميل النفط وأطنان السخط وأشياء أخرى يستحي الإنسان من ذكرها تقديرا للشهامة العربية و تاريخها الحافل بالبطولات...

للنار إذن نسبة لتاريخ العرب وموقعهم في جنات عدن و مواسم لمدينة في اليمن وقد فهم رامبو الحكاية فارتحل إلى صحرائها مشيا على نعل الريح وكان له موعد مع الصمت...

على كل حال هو إعلان هوية وانتماء، يمتشق أرجوحة الاتصال والانفصال عن الأمة التي قال عنها نبيّها إنها:" خير أمة أخرجت للناس "

"عرب عرب

هل أشتري نارا لتُشعلني؟

أنا قلبي لهبْ..."

    ترتحل النار مع ريح الوقت من ميثولوجية الأسطورة إلى منعطفات الأيام العربية،يحلق الطير مع هذا اللهب في خارطة القلب. ولكنها "الشمس تناست ليل الساهر "  و الصحراء  جليدية  تتقاذفها المحن  في " بلاد الكفن " تردد في الصقيع"ثغاء الشعوب" ولا تجد دموع السماء المجدبة لتبكي على "شمس الغروب"

هذه النار الرماد شمس شتائية تشرق على بيوت الطين و توقع كل القصائد،تشهد من وراء السحاب على صمت الشوارع وصوم الشعراء،على رقصات الخصر وعظمة القصر وحكمة الحجر،أبواب وأذيال وثعالب وكلاب و مخلوقات أخرى لكتاب الحيوان يسوقها ابن المقفع إلى مقامات الحداثة في شوارع الملل ومقاهي الإشاعة والكسل.هناك حيث تلتقي الأذهان والأعيان لصياغة سيناريوهات ما بعد الحداثة:هو العالم أعرج

يرجع الشاعر إلى ناره،أبجديات " امرأة القصيد وامرأة الذاكرة "تسميه وتوقعه بدم القتيل يتوزع بين القبائل..هو القلب لهب.

لماذا يأتي البلد من فجر الحضارة في ثوب الرماد موشحا بالغياب ؟ لماذا يبحث الولد البدوي عن وجهه في السراب؟ من أين لنا كل هذا الخراب؟

" مَن شاهد الشمس مفزوعةً

 تتسارع أنفاسُها هلعا

وتشدّ بأعصابها .... لتصدَّ الغمام؟ "

تلك مدارات صحيح المعنى في رحلة الشاعر بين منعرجات سلالته تقوده إلى فعل التمرّد على الآلهة مثل جده الأسطوري  أورفي يصطلي بجهنم الآلهة بمعجزة الحب لينقذ حبيبته أوريديس من خطيئتها..

هو الشاعر أيضا يؤلف بين " الجهاد"و"حب البلاد" وهو الحب فعل إرادة ومكاشفة ورغبة في التوحد بأنثى القصيد...استعارة عابقة بعطر كل النساء .هذه امرأة النار،امرأة الانتظار ،تأتى بلا موعد ،أنثى البلاد  تختال في مخيلة الأشياء تعبر الفضاء و تشرق على الناس البسطاء   و تغسل تعب الرجال بقطرات الندى ..يتهجى الشاعر في تفاصيلها أنوثة صاخبة بلهب الرغبة وحكمة الرهبة... " امرأة لها رقة من أنوثة هذا الزمان " أسطورة الحضور و الغياب :

  ترتدي رغبة الاحتفاء...

صدرها شاطئ بربري 

 شكلها واضح كالقصيد "

 إسطرلاب الاتجاهات، بوصلة العاشق كي يتيه، يبحث عن "وطن فيه امرأة تشتهيه "...

  هذه استعارة الجسد الحي وإشارة الوجع المسجّى في معاطف الزمن العربي ينحتها المولدي فرّوج من كيمياء الحزن و الحلم والاشتهاء،تتصدر القصائد كلها و تتلبس بكل القيم:"..

ويحتاج امرأة

 لغةً/و بلادا

 يسوّي ثوابتها من تراب

 وينفخ فيها

 بروح القصيد

 فتمشي له الأرض واجمةً

كي يخطّ على وجهها

ما يريد.. "

إنها دفتر الأحلام وكل الكلام ...وكل هذا الكلام إلى "امرأة لا تنام "أليست روح اللغة ونسغ الخيال؟ اسم البلاد ورسمها في ذاكرة الأيام.وهذا الشعر منها ولها طفل يلعب بحروف النار، سلطان مملكتها "أرضعته كل النساء" . وفي كل حالاتها و تجلياتها ، في البيت أو الشارع  أو الذاكرة أو القلب ، الأم أو الجدة أو الجارة أو الزوجة الحبيبة رفيقة العمر...هي رمز القبيلة و قبلة القبائل :

 "ما السر في امرأة

تحتوي العاشقين جميعا ؟"

 سؤال  يتجدد مع كل  قصيد فتتوزع في الشرايين والقوافي تتداعى  كل  الصور في   المجاز المرسل وتتوحد في المجاز الكلي،فإذا بها الحرية سوف  تأتى مع فجر الاحتمالات،هي الحرية  تفصح عن صدقها، يسميها المولدي فروج "أنثى القصيد  " وأنثى البلاد " معمار الإقامة و معيار القيمة.هي الحرية تعرف عنوانها بائعة الياسمين في كفها باقة  من حرير :

" كم تهادى على كفها الشهداء...

 حلت ضفائرها للرياح 

لتسرع نحو المحبين "

 تتوهج مفاتنها في نظرات العابرين  تنير ليل الظلمات وتفتح البصر على فجر الضياء وصورة العالم الأعرج  

" توقن أنّا احترقنا لرؤيتها

 من زمان

 وأن العصافير تكسر أقفاصها لتطير

 وهي تعرف ان العباد

إذا لم تجيء...

 يشعلون البلاد"

     تلك المرأة الحرية عدّلت ساعتينا على دَقّة القلب "و نبض القصيد" تجسدت لهبا في مدينة عربية خلدتها السماء و سيّجها حائط البكاء " القدس" رفعَ همتها في زمن الهزائم حجرٌ فلسطيني،حجر آخر للنار الخالدة ينقذ ما تبقى من شرف الجيوش العرمرم لأعراب يركبون خيولهم في الاتجاه المعكوس

" أفرغ دموعك في البحر

 فالأرض قد نصبت حائطا للتباكي ...

 يا جدتي ...

 ما الذي قادنا .........

نحو ست هزائم في نصف قرن؟..

"هجير هنا ....

 وهنالك قافلة البدو

  منذ زمان "

تلك المرأة عروس الشعر وعدن المسافر من تعب الطريق وأوجاع الشوارع والمقاهي والحانات و"ضيق الخاطر" ينسج القصيد أطيافها في فضاء الرمز وهو مكان" المحاينة " الذي انتبه إليه فلاسفة الشعر مرلو بونتي وهاديغير وجورج باتاي " فضاء الجسد/المعنى الذي يتجاوز جسدانيته إلى صورة المفرد/الجمع تهب الروح فيه كالريح في فضاء الوجود الكوني فإذا بالمكان يصبح فسحة للكيان "الشمس كما اللص..

يوقظني اللهب

 فأرى العالم أضيق مما يجب.."

يستوي  العالم  الأعرج  في  تناسق  الجسد  الحي  وتصطف الكلمات من فوضى الكلام في أجراس الحواس فيرسم الشاعر ذاكرة المستقبل في هذه الأبجدية المتحررة من كوابيس الصمت العام وقواميس الضجيج وكواليس النظام

"    فسبحان من الهم الشعر...

  كسر اللجام"

   هذه المرأة في قلب السؤال الأول ، توقع الشعر بارتعاشات الكائن و هشاشته الانطولوجية ، المفجع في كيانه العربي و كينونته التاريخية.. امرأة الشمس /النار والنور واحتمالات الوجود. يستقر السؤال في جوهر العنوان "أنت اكتشفت النار "

كأنه إعلان إرادة يتجسد في فعل الكتابة /سرقة النار.. النار هي الكتابة، فعل مجابهة الأبيض بالأسود مواجهة الفراغ بتيه الخيال "قلها و سر

/فلكل فاتنة مديح....

  ولكل واحدة جميع"

يتعدد المفرد في صيغة الجمع من توقد الأنت /أنا أو الأنا /الآخرمع أنثى القصيد في حوارية الذات الشاعر مع المرآة و منها مع كل الكائنات ،يصوغها الشاعر هنا في لعبة الأضداد وجدلية انبعاث النار من الأجساد الميتة ورحم الأرض ،ظاهره جدب و خراب وباطنه بركان:

 " والذي خلق الماء والنار ...

  ضدَا لضد "

 النار أو الطوفان ...هو الشعر وحده اليوم القادر على فعل هذه المجابهة في الخطاب الثقافي العربي السائد العاجز عن صياغة أسئلة الوجود..

" والذي ميّز الشعراء.../

بألسنة من مسد "

هي النار الشعر فعل مراوغة للصمت بشعرية العلاقة بين أنثى القصيد وأنثى البلاد ،لعنة الوصل والوصال بين هواجس الكيان وضيق المكان ، كتابة النبش في أساطيرنا الحية وأحلامنا المشوشة بالتناص الضمني مع مدونة مجانين" ليلى " العربية وبناتها في حدائق الذاكرة ،ترانيم الحزن والفرح في زخات الوريد، نبرات الفزع في صحرائنا المسيّجة بالجليد.هذه الحوارية مع الذات تتجسد في تحول الضمير المفرد إلى ضمير الجمع .

هو نداء اليقظة ، نداء الانفصال عن خطابات الغناء والبكاء والنهضة والثورة ، نداء الجسد

" جسدي الأرض  

 و في كفي السماء...

….لست في الدنيا رسولا

إنما في خيمتي ...يأوي الإله

 فأنا الكون وعيناي  مرايا للقمر

 راحتي مأوى لأهلي.

   يفتح هذا الديوان مناطق الأسئلة على سؤال النار بفعل تسمية الأنوثة الصاخبة في دفاتر العشق... وفعل التسمية مرتبط منذ الأزل بمعاني الخطيئة المنتجة لمبادئ التكوين بقيم التمرد والحرية والمحاينة،.يرتقي هذا الفعل إلى مراتب الحق والحقيقة  وللشاعر اليوم مشروعية الصدق . و" اصدق الناس الشعراء" كما قال المولدي فروج ،وفي هذا القول  مجال للنسبية والنقاش حسب حالة الشعر وطقس الشعراء و هم كما قال ابن قتيبة  "طبقات".

 على كل حال هذه حقيقة رمزية النار وشعرية الجسد في زمن التباس الحداثوية بالحداثة واضطراب الأقوال والقيم بين الاغتراب والتدجين ،بين سلطان غواية النار وسلطة نبلاء الثقافة ، بين صوت المتخيل وسوط الإذاعة والإشاعة . و هذه فرادة المولدي فروج وموقعه في طفرة الشعر التونسي الراهن، شرفة تطل على مشهدية الفضاء العمومي و الذاكرة العربية

و الكيانات الهشة. تنصت إلى التفاصيل المهمشة وإيقاع الزمن القادم .تتحرك برغبة الحب وحب الإرادة . قصائد تتعدد في الصورة وتتوحد في التصور، تشتهي حكمة النار و تراود الشمس ، تكثف في أنثى القصيد غربة الشاعر عن هذا الزمن الماكر،تطلع القصائد من هذا القلب النابض بلهب السؤال وبسحر الخيال لتعيد تشكيل العالم فإذا به أرحب و أجمل ، تدعونا للعبور إلى جوهر الكيان المصاب فينا بذاكرة النسيان .نعيد إبداع ذواتنا ونعطي طعما مجازيا لحياتنا .

  لقد قادني سؤال المولدي فروج عن النار إلى سؤالي عن الشعر منذ راودتني لعبة القراءة العاشقة،هو سؤال ثابت متحول  متجدد بضغط إفرازات الحداثة، أصبح السؤال اليوم في ثقافتنا الشعرية مفتاحا استراتيجيا يتجاوز الشعر إلى لغة الإبداع في سياق فهمنا لشروط إبداع وجودنا. هل يمكن فصل سؤال انطولوجية الشعرية العربية عن أسئلة اركيولوجيا الذاكرة الثقافية؟ لا اعتقد ذلك لان الراهن الإبداعي مشدود إلى قدرة الشعر على تخطي مزالق الافتتان بالحداثة دون السقوط في انتحارية نسف الذاكرة والتعتيم على مرجعيات الإنسان العربي. واعتقادي أن المولدي فروج من خلال هذا الديوان وكذلك الدواوين السابقة قد فهم منهجية هذا المدخل التاريخي الإبداعي لاحتمالات الحداثة الشعرية العربية .     

  تشهد هذه النصوص على وعي عميق بهذه المعادلة بين البعد الجمالي (إيقاعات الجسد النص وأجراس الشكل المعنى و وحدة الرواية الحالمة)والبعد المرجعي الثقافي(قيمة القول الشعري في تفجير جدليات الذات والموضوع والزمن و التاريخ والكيان والكون)هذه تجربة تتطور بروح هذا التجاوز السخي ومحبة الناس بعيدا عن الضجيج والادعاء بنفس الصمت الجميل والتواضع الراقي الذي يميز الإنسان الطيب الذي يسكنه بالابتسامة وكم أصبح نادرا اليوم هذا التوافق بين الشاعر والإنسان في نفس الكيان.كم من إنسان شاعر تعاشره فتنسى شعره وتصيبك الحيرة أمام المفارقة بين بنية المواطن وتركيبة الشاعر

                                         د.عثمان بن طالب جامعة تونس

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقــ . ط .ة

هلْ في القصيدةِ ما يخيفُ ؟

قلبي على وشكِ التحجُّر

ساء ني ظلِّي

يرتِّبُ هامَتي

و يبيعُ أوردتِي

على وسخِ الرّصيفْ

ماذا أضيفُ ؟

هي خيبةٌ أخْرى

و قلعتُنا هوَت

هي توبةٌ أخرى

و قافيةٌ فقط

هي نوبةٌ

لكنَّ قلبي لم يمتْ

لتظلَّ أسئلةُ النّزيف

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بغداد

كانتْ هنا بغْدَاد

كالجبلِ المطلِّ على العبَاد

كنا نشنُّ عواصفَ الصَّحراء منها

و نمتحنُ الزمنْ

قل لي إذنْ

كم يلزمُ الأصنامَ من ريحٍ

و من قلقٍ

ليمحُوها الوطنْ ؟

ـ لا تذكرُوا وَطني

إذا لم تفهمُوا وطنًا بكَى

لما كبَا

أسفًا على سرج يُطرَّز بالفتنْ ـ

و تعثرتْ خطواتهُ ... طُحْنا

و ما سقط الرّكاب

قُمنا على وخزِ القفاَ

ما كان يُجدي

أن نقومَ على يدٍ مكسورة ٍ،

رجْلٍ فقطْ

بل كان يلزمُنا الوفاء

قل يا جَليّ الصوتِ

كم في النفس من وَجعٍ !

و كم للقلب من وَجلٍ

ليفضحَني الكتاب ؟

قل أخطأ التاريخُ في نَسبي

فصِرْتُ

أعضُّ أوراقَ الغبارِ شَماتةً

أجري... و خلفي أمَّتي

تحبو... فتَلعنها المآذنُ

كالمدنْ ؟

دارت كحبّات الغبار

و لطَّخت وجهَ الشوارعِ بالسُّباب

بحّتْ حناجرُها

شحّتْ خناجرُها

ضاعتْ.... كما لو أنّها ملحٌ

تناثُر في التُّراب

ماتـــت كما... لا تستحقُّ... جنازةً

كانــت على حـــــــــرْفيْن....

من بيــــتِ القصيد

كانــت على حــــــــرْبيْن....

من بــَــــــلدٍ جديد

ــ لا تذكروا بلدي بِغيرِ الوردِ

في خدّ الجليد ــ

سنُطِلُّ من أوراقنا:

إن كان للتّاريخ وجهٌ واحدٌ

فَلَنَا الوجوهُ الأربعهْ

الشمسُ تشرقُ عندنا

و القِبلةُ الأولى هُنا

و لنا الغروب

و الليل يبقى فاضِحًا شوكَ الشّمالِ

على الدروب

ساجنُّ.. كالريح التي ما أمطرتْ

أو لم تعِ الصحراءَ ما كانت تقول

و احِــنُّ..

بحْــثا

عن أحِــبَّة

رحْــلتي

إني سأحْــضُن ودَّهمْ

أهلي و قد كبُروا مَعِي

فالأرض تعصرُ أضلعِي

و تقول لي :

قل ما ترَى

لا ما جرَى

لتظلَّ سرْولةَ العروبةِ

نخلَها

أو ظلَّها

لتظلَّ نادبَها الوحيد

من أين ارحلُ بالقصيد؟

من تونِسِ الأبوابِ

من باب الرِّباطِ ....إلى عدنْ

كم تهت يا عمان في عدّ المحنْ !

و تناثرت أشلاءُّ ارضِ الله

ما بين الخرائط ...

و المدنْ

عاد الذي باع الحصانَ

ألَمْ يمتْ ؟

فالموت في بغداد فاكهةُ الغلال

والقلبُ احزنُ من سوادٍ

ملت تواريخي

من الكذبِ المنمَّق في المدادِ

ـ لا تذكُروا بلدي بغيرِ الصّدقِ ـ

فالتاريخُ أرقامٌ

و ها بغدادُ صارتْ في المَزَاد

علبًا تصدَّرُ من ضفافِ الرافديْنِ

بلا نسَبْ...

تاجًا على رأسِ الغرابِ

خريطةً تَهدي اللصوصَ

إلى العربْ

لم يكذبِ التاريخُ........

علّمنا الكذبْ

لو يكتب التاريخُ......

يعرف خطَّنا ،

و يطوف بالأشعار ما بين الخطبْ

كانت هنا بغداد تُمضي باسْمِها

كسروا الذراعَ  وألجموا

قلمَ الغضبْ

قامت على إبْهامِها المكْسورِ

ما كان يجدي

أن تقوم على يدٍ مكسورةٍ ،

رَجُلٍ فقطْ

من أين تأتي باليدِ الأخرى

وبين الأهل قطاعُ الطرقْ ؟

لا تذكروا بلدي بأسْماءِ الذين

تخبَّؤوا منَّا بأشلاءِ الورقْ

كانت هنا بغدادُ

يطفو فوق جَبْهتها العرقْ

كانت هنا         ........... بغداد

لو لم يذبحُوا

من فوقِ نهْديْها الحضارةَ ...............

................و الجواد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عرب

عربٌ ...عربْ

اسْمي توزّعهُ القبائلُ بينها

كدمِ القتيل

فأين ذاكرتي

لأحتاج النسب؟

عربٌ عربْ

***

عربٌ...عرب

مالي أرى وجْهي

تخادعُه الظّنون

فيختفي

وتظلُّ في المرآةِ

ألوانُ الكذب

عربٌ ...

عربْ

في واحةِ القلْب...

فهل...

نخل سما

أم هامة في الرّيح

من علَب القصبْ ؟

عربٌ...عربْ

***

مهما قسَوتُ فإنني...

مثل المحبّ

خطيئتِي

اني أصارحُ من أحبْ...

عربٌ عربْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  أنت اكتشفت النار

على الشِّعرِ أن يصْطفِي

لغةً من حجرْ

و أن يسْتعيدَ لنَا

حقَنَا  ...  في الكلامِ

و أن.. يتغطّى بريش الحرامِ

ويصنعَ أجنحةً  للبشرْ

تطير التواريخُ بي للوراءِ

أرى وجهَ ذاك البدائِي

يهندس دبابةً من صخورٍ

ويخترع النار

من ضرب خدّ الحجرْ

هي النار قد أوقدتْ

...................... من حجرْ

و كان البدائيُّ يبني الحضارةَ

خوفًا من الرَّعدِ و الغابِ

كان يصارعُ

.................غدرَ الذئابِ

ويمشي مع الشمس يعبُدها

ويموتُ

................... بحبِّ القمرْ

.....هي الحربُ كرّ و فرْ

فلا تبتئسْ يا صديقي

تفرُّ الصواريخ

إن لعب المُولعون بمِقلاعِهم

والحجرْ

والقلاعُ التي اقتَلعتْها الصَّواريخ

...طَارت حجرْ

والقصور التي  تبتنيها التواريخُ

صَارت ...حجرْ

والقلوبُ التي قاتلْك .........حجرْ

والقبورُ....... ...حجرْ

هذه الحربُ تُبنى على نغَمٍ

في   الحجرْ

تنهّدْ كما شئتَ

افرغْ دموعَك في البحْرِ

فالأرضُ قد نصَبتْ حائطا

…………….للتباكِي

وأمُّك ما علمتْك البُكاءَ

وسرْ

كي يعودَ الخطافُ إلى راحتَيك

يحطَّ الحمامُ

على كتفيك

ولا بد أن تنتصرْ

هي الحربُ

……… كرّ  و كرٌّ ...

وفرْ

تداخلَ ما بيننا الجزْرُ

والمدُّ

حتى  اسْتوى عندنا الحقدُ

والودُّ...

جئت وحيدُا

لترْسم خارطةً للبلاد

وأخْرى لمدِّ الجُسورِ

ولا حدّ لكْ

كم يطيرُ الكلام إليك

ولا يصلُ الصوتُ

يا فلذةَ  الرُّوحِِ

خذْ مِن قلادةِ أمِّك ما شئتَ

من حَجرٍ

والبَس المَوتَ..

ها  أنتَ تحْسن

قصَّ المسافاتِ

حتى اسْتوى وطَني

بالكفنْ

فامضِ أنت وعدْ

بالبلاد الكفنْ

وانك تختارُ موْتَ الولادةِ

إني أراك ...

إذا سكتَ القلبُ منك

جرى في البلادِ الوريد

........

هي الحربُ مجعولة  للإبادةِ

لكن حربَكَ....

تمتاز عن كل حربٍ

...... بطعم الشهادةِ

إني هنا ...

حيث تَغرُبُ شمسُ العروبةِ

أمشي كما توَّهَتني الدُّروب

فكَفِي تحاربُ ضدّي

وجدّي...

يؤرِّخ ملحمةً من ثغاءِ الشعوب

سيرحمكِ الله ،

يرحمكِ الله  يا جدّتي

كيف حالُ السنين التي

أنتجتْنا على كذبٍ

يتوارثُه النّاس مثل الخلافةِ؟

يا جدتي ...

ما الذي قادَنا نحو سِتِّ هزائمَ

في نصف قرنٍ ؟

..... تمهلْ حبيبي

هي الأرضُ كاذبةٌ إذ تزفّ الطيورَ

إلي راحةِ الصائدين

هو النهرُ يكذب والماءُ

والريح تكذبُ

إذ  يعطش الزرعُ

تنسحبُ السحبُ الممطرات

وتترك في وطني عطشًا

في  الهجيرِ

هجيرٌ

هنا...

وهنالك قافلةُ البدوِ

منذ زمانٍ...

وأكثر من نصفِ قرنٍ تسير

وكان الرِّجالُ

يجلّون أوَّلهم

وهو يرفع طرْفَ العصا

ليشيرَ إلى الماءِ

لا ...لم يَرَ العابرونَ الشرابَ

فيا كذبةَ الشعراءِ

لماذا تمُرُّ الزعامةُ

في خيمة الأمراءِ ؟

ويولد في كل قصرٍ

وعصرٍ  سرابٌ؟

تعبتُ

وقد ضاع مني الصوابُ

وكم حاول القلب أن يسعَ الرّايتينِ

وهدّأت من روعِ شعري

عسى خاطري

يستطيب وأنت

تؤلفُ بين الجهادِ

.......... وحبِّ البلادِ

فكيف تشرّبتَ وهجَ اليسار

وثلجَ اليمين

وجمّعتنا في ضياء القمرْ

هي الحرب كرٌّ

على وقع ضرب الحجرْ

ونحن كتبنا لك الحبَّ

بعض سطورٍ

وأحلى العبارة..

(ما بين قوسين)

بالكسْرِ والجرِّ

أنت ترى كيف بين السطور

تمرّ الخيانة محفوفةً بالعطورِ

وأنت تكابد

(ما بين قوسين)

...... بالكسرِ والجرِّ

يا ليتني لا أراك

وفي كل حينٍ تعثَّر فيك شعوري

وأنت  تُوَلْوِل

ما بين عرْشٍ

ونعشٍ

وتحفرُ في الصَّخْرِ

ما لم يقلْهُ البشرْ

هي الحربُ كرّ وفرْ

سلامٌ

على مرّ أشعارنا والكلامِ

سلامٌ

على من تباهى بطيف السلامِ

سلامٌ

على وطنٍ يستفيقُ

من الموْت في راحتيْك

وفي راحتيْك...الحجرْ

سلامٌ

على الحربِ

إن جاءتِ الحربُ... كي تنتصرْ

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

 

 

انت.........ظار ـ

 

هؤلاءِ الذين

يمدُّون قاماتِهم

لتطولَ الظّلالُ

فقطْ...

لتطول الظّلال بهِم

هؤلاءِ الذين يخطُّون أسماءَهم...

بالنقطْ...

على ورقٍ من رمادٍ

على حائطٍ خربٍ

لو سقطْ...

سيهيجُ الصِّغار على هدْمِهِ

ويخطّون أسماءَهم في الإطَار

رسومًا لأجمل فارٍ

يُراعِي القِططْ

ويخترِعُون الصّواريخَ

من صُورِ القادمين

ومن ورقِ الانْتصَارِ

و من لغةٍ صدِئتْ

و فقطْ ...

هؤلاء الرِّجال...

سيأتُون منتفخِين

كما لو أتَوا

فوق كل احْتمالٍ

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

كافور ينتقد النقاد

1 ) قالها الشاعر... وسيظلّ قائلها

..... تشبّـــ ــ ـــ ــثْ

كأنك إن قمْتَ سَوف تموتُ

و حكّمْ أظافرَ رِجليك في النّعــْــ ..ــلِِ

في خشبِ النّعــــْـ...ــشِ

في المــَـــــاء، في النـــَّــــــار

في العنكبــــــوتْ

تسمـــــــــــّرْ

فذي الأرضُ قد تخْدع السَّائرين

على عجلٍ

و..........

تشبــــــــــــَّثْ .....

بأسنانِك العشرِ في الرّيـــــــحِ

في ريـــــــشَةٍ

في هلال المآذنِ

في صليبِ المسيحِ

و كن هادئًا كرضيع

يهاب التمشّيَ ثانيةً

فوق كفٍّ جريح

تستّــــــــــــــــرْ

كأسئلةِ اللاّجوابِ

كَـــ....

منْ أيّ نسلٍ تجيء؟

أنجبَتك الفواجعُ أو

أسقطَتك الإشاعةُ في العرشِ

والدّهر يمشِي...

…و يسخرُ ممّن تجبرَ

والريحُ قد تنتشي

بمنْ كان صلْبًا...تكسّرَ

حتى الفصول التي عادةً  ترتشي

قد تحرك أقدامَها

أو تقلّبُ أيامَها

ثم تسقِط من غصنِها ورقَ التّوتْ

... قد تتعرَّى

وقد ، بين قوسين، معذرةً.

قد تمُــــ  ـــ    ـــ ـــوتْ

2 ) الناقد يرفع الأمر إلى من يعنيه الأمرُ

كفَراشٍ....

يرْميهِ النّورُ على النّارِ

ينقُرُ خدَّ الورقاتِ

الشاعِر يهرَبُ من مَعْنى الرُّوحِ

… إلى...روحِ المعنَى .....

محْفوفاً بالكلماتِ

تترنّحُ بوْصلَةُ الزائرِ

إذ ينفتحُ القوسُ

وينغلق النَّصُّ

تسْري كرةُ الثلجِ

وينْقادُ النَّاقِد للفوْضَى

ما أعذبَ هذا المنفَى !

وبلا مأوَى...

يتلجلجُ قلبُ الناقِد بين الألفاظِ

تضيعُ رؤاه

مخمورًا ينبُش في الأنقاضِ

ما أصعبَ أن يتحكَّم نصٌّ

في أحْجيةِ القاضِي

كان يَعي ذاك

ذَوَبان الرُّوحِ

على وهْج اللغةِ الأولَى

كم كان سعيدًا!

....أولادُ الحجلةِ

يمْشون إلى التّيهِ

كم كان يحِبُّ الشاعرَ

حين يعرّيهِ

3 ــ   كافور يستفيق منسجما

أيَموتُ الحرّاسُ وجنّانُ القصر ؟

يموتُ الأمرَاء؟

ولا يبقى في هذا العصْرِ

سوى الشُّعرَاء؟

ما أكثرَهم ...حمْقىَ

قعقعةُ الكلماتِ

تقضُّ الرّوح

والشعرُ الصّادي

يصطنعُ المعنى

من قدمي المجْروح

يُخفي كافورٌ ضحْكتَه الصفْراءَ

ويرمي ذاكرةَ الناسِ/ الأدباء

.......الريحُ ستمسَحها

ويقيمُ مشانقَ ألسنةٍ

...............الأرضُ ستنْسخُها

يرسِلُ بين الأوراقِ

كلابًا تترصَّد خطْوَ الشعراءِ

ينامُ...

ويلقي رأسَه فوق وسادتِه الحمْراء

(السودُ يحبّون الألوان القزَحيّة)

كافورٌ يُمْعن في كفَّيه

ماذا لو سمعَ القرّاءُ

شقشقة القدمِ المشقوق

ماذا لو سألوا الأذْن الموْءُودة

في مخلاةِ النخّاسُ

أو ضحك الناسُ ؟

الشّاعرُ كان يجيدُ الإنشادَ

ويمضَغ سوءَ الكلمات

لكن ـ لعن الشّعر النقاد /

لعن الله النّقّادـ

يتسلَّون بتعْريةِ المعْنَى

وبزرْعِ الأحقاد

ــــــــــــــــــــــ

 لعــبة الأذيـال

 

1 / ذيل أول

مسكينٌ هذا الكلبْ

عيّره الأطفالُ

…. وما اقترفَ الذنبْ

الكلبُ العاقلُ يجري

والأطفال يصيحون على الهاربْ

قصّ الذيلَ إلى نصْفينِ

وسوّاهُ على

أنفهِ كالشّارِبْ

2 / ذيل آخر

امرأةٌ ترغبْ

في أن تلبس ذيل الثعلبْ

فاستدعته لأنْ  يلعبْ

فهم الثعلبُ إنّ لسانَ المرآةِ

كذّابْ

لفّ الذيْلَ على الرّقبَهْ

حتَّى

ما عادت تلك المرأةُ تلمحُ

غيرَ الأنيابْ

3 / الذّيل الكامل

رجلٌ من جيل الثّوراتِ

على من أفْسَدَ في الأرْضِ

منضبطٌ كالبوّابْ

تندسّ أصابعُه اليُمنى

من تحتِ الأثوابْ

قد يبحثُ عن اسْمٍٍ

أو رَقمٍ

أو مفتاحٍ

هذا الرجلُ المُرتاح

يسْأل

هل جاء الدنيا بلا ذيلٍ؟

أمْ سقطَ الذّيل على بابِ الأرْحامِ

هذا الرَّجلُ الصّامتُ كالبنيانِ

سوّى نفسَهُ ذيلاً

وتثعْبنَ خلفَ الإنْسانِ

 

ـــــــــــــــــــــــ 

كانت مطمورة روما 

سنةٌ من جفـَـاف

تلُوك الذي ترَكته السّنونُ العِجاف

و كان أبي

– طيَّبَ الله مثواهُ-

يأوِي انْحناءً

إلى قبّةِ الأوْلياءِ

يفتّشُ  في الأرضِ

عنْ أثرٍ

للثّرَى

وإذا لم يجدْ ما يرَى

يرفعُ الرّأسَ كيْ يتضرّعَ لله :

يـــا .... ربُّ ...

لو طالتِ  الكفُّ

ضرعَ السّماءِ

لأجريتُ أنهارها والضّفافْ

أبي لا يخافْ

يجادل ربَّه في كلِّ فصلٍ

أبي لا يخافُ ....

ولا يتكلّمُ إلاّ بقدرِ الكِساءِ

وفي سنةِ الجدْبِ

جاعَ

وضاعَ

يا  إلاهي ....

يجوعُ الذي وهبَ الحَبَّ

حُبًّا ؟

يجوعُ الذي أخرجَ الماءَ

من  راحتيهِ ؟

يجوع الذي حفَر الأرْضَ مطمورةً

ثم أُخرَى

وأجْرَى إليها الحصادَ

وأودعها الماءَ

………. والملْحَ

أوْدعَها الماءَ والمِلْحَ

قلبِي على والِدِي

شقّ في الأرْضِ كهفًا و ..

..ضاع

سنواتٌ........

من الخصبِ مرَّتْ

فباع الخليفة.... باعَ

......وباعَ الذي جاء بعْدَ الخليفةِ

....  مــــلحَ الدِيارِ

........وباعَ الذي ...

بايعوهُ

غداةَ الذي  …..مــــَاتَ

.....مــــَاء البحارِ

ولم يبْق بين العبادِ

سوى والِدي

لم يبعْ قطرةً من جبين البلادِ

ولم يبْقَ غيرُ الكلامِ الذي ...

إذ يشاعُ

.... يباعُ

أبي ـ طيِّبَ القلبِ كان-

مضى يُعْلم الناسَ

أنَّ المطاميرَ

في قريةِ الروم محشوّةٌ (بالولاءْ)

بِالْـــ...وَ .. لاّ  …

... لم يجدْ ما يقول

ففِي سنةِ الجدبِ

يُمنَع نشرُ الحديثِ على

شفةِ الرِّيحِ

خَوفًا على الْسُنِ النَّاس

إن تعْتليها الإشاعةُ

تصْطاد قبل الرَّبيع الخُطاف

.... أبي لا يَخَاف

مضَى –طيبَ الله مثواه-

يحْفرُ في الأرضِ

حتىّ هوى

فتحَ الأرضَ مطْمورةً ثم أخْرى

و كان اشْتهى

أن يقابلَه الحَبّ بالابْتسامِ

و ألاّ يرى ما تبقَّى من الحُبِّ

ينهَشه السُّوسُ

في رغبَة الإنْتقامِ

ــــــــــــــــــــــــــــ 

 مواسـم الضحـك 

ضحكٌ...ضحكٌ...

ضحكٌ إن ضَحِكْنا

سنضحكُ من حالنا

من زمانِ المَذلّة

من عربٍ ليسَ منَّا

ومن نخلةٍ لا ترُدّ الغمامٍ

ونضحكُ من خُطبٍ لا تُغنَّى

ونضحَك من شدّة الهمّ

نضحكُ حين يُنادَى إلى بيعةٍ

أو إلى حفلةٍ

ثم نضْحكُ حتّى على صدفةٍ

أو على ـ لسْت ادري ـ

ونضحكُ حين تجيءُ الأوامر واضحةً

والرَّسائِل مفتوحةً

والسلامُ

سلامٌ...

على الشفتين إذا اصفرّتا ضحكًا

وسلامٌ على ألْسُنٍ من رُخامٍ

سلامٌ على ضيفِنا

حين يضْحك ِمنَّا

وحين يودِّعُنا سَاخرًا

وسلامٌ على نعْتِنا بالكرام

سلامٌ على بلدَتي

والشوارعُ  تكتظُّ  بالضَّاحِكين

لهمْ ضحكٌ لا يملُّ

.. وجوهٌ تقلِّبُ أنيابَها

وشفاهٌ تقبِّل أحبابَها

ولهمْ سمَة الاحْترام

سلامٌ على أَرْضنا

تتشرّبُ أحزان أهلِي ،

وتُغري الحَمام

سلامٌ على ما جرَى

وسلامٌ على ما رأيْنا

وما قد نرَى

يتعثّر شيخٌ

.......على حجرٍ

في الطريقِ وما أسْعفَته العصَا

ضَحك العابِرُونَ .......

على عجلٍ

والنِّساء توقَّفن .........

من خجلٍ

ثم قبّلْن أزواجَهُنَّ

وزَغرَدْن

صفُّ التلاميذِ

ردَّد في الجهْر أُنشودةَ الاحترامِ

وأَدَّى العساكرُ ضحْكتهم

واحتموْا بالمَنابرِ

سارَ المؤبِّن رأسَ الجنازةِ

مبتسمًا للمقابِرِ

والعاطلونُ

تدغْدِغهم واجِهاتُ

فهبُّوا لها ضاحِكين

هِيَ الأرضُ فوْضَى

وشرطيُّ مفترقِ الطُّرقاتِ

رأى ضحِكا غيْرَ عادِي

ولم يلتفتْ

ربما غاصَ في ضَحكٍ

...................... دُون جدْوَى

فأصْدَر سيلاً من القهْقهَات

وفي الأمر عدْوَى

العصَا تُضْحِكُ الناسَ واقفةً

والبلادُ على غيْرِ عادتِها

تنحنِي للعصا خائفَةْ

تفتَحُ الشفتين بسُخريةٍ

وشفاهُ المحبّين مرتجفةْ

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 كأنّ العالم أعرج

 

1) لاهاي

كفَّةٌ تستفزّ الجنوبَ

و ثانيةٌ تسْتميل الشمَالَ

و بينهما ريشةٌ

مثل أنثَى تجيدُ الدلالَ

فإن هبّتِ الريحُ مالتْ

وإن سكتَ العدلُ قالتْ

.......... على أي حالٍ

............. على مثلِ حال القضاةِ

نجربُ نطقَ اللغاتِ

وننتظر العابِرين

لعلَّ الذي…

قد يطلّ

فإنْ لم تجدْ

سقط العدلُ

صاحتْ...

إلهي...

أنا ما وضعتُ الجنوبَ

فكيف رفعتَ الشمال ؟

2) القدس

قلْها ومتْ

يا أوّلَ العمرِ الذي لم يَبتَدِ

يا آخرَ التعبِ الجميل

قلْها …

وحرّك ساكناتِ الأرضِ

يا غيثَ العَواصفِ

.... و انهمرْ

............

قلها وسِرْ

فلكلِ فاتنةٍ مديح

ولكل واحدةٍ جميع

الآن تعرفُ ما جوابُ الله

تعرفُ ما الذي يجْري

وكيفْ

وتعدّ  كم عانيتَ  من قهرٍ

وحيفْ

كنْ مثْلما شاءتْ مدائنُ عِشْقِك

والمآذنُ

و ازرعْ قبابًا من عيونك

و...استمرْ

3) مجلس

(  تنغلق الشفاه كلما نطقت حرف ميم أو حرف باء )

شفاهٌ على حرفِ ميمٍ

شفاهٌ على حرف باء

فسبحَان من علّمَ الناسَ

فنَّ الكلامِ

و أوحَى إلى القومِ

بالصومِ

عن همّة الشعراءِ

شفاهٌ على حَرفِ ميمٍ

رأيتُ الشَّوارع صامتةً

والمصاديحَ والسّفَراء

فسبحتُ باسم الذي

أرسلَ الطّير/ طير الحمامِ

إلى آخر الأرضِ

للبيضِ...

باضَ

و فرّخ أجنحةً للسّلامِ

و بعضَ شفاهٍ على حرفِ باء

وسبحانَ من ألهمَ الشعْر

فجّ المعاني

تمرّ الحروفُ كما عسكرٌ بانتظامِ

تهرولُ في الحَلق وقْتًا

و لما تشدّ الرِّحالَ إلى

مجْلسِ العظماءِ

فتُحنى طرابيشُهم خجلاً

كلما أقدم الشعراء

وإن رقصَ القصرُ والخصرُ

دارت كؤوسٌ

على نخبِ ألسنةٍ ...

نسيَتْ حرفَ باء

4 ــ من ثقب العالم

يبدو العالَمُ أرْحبْ

لو أنِي افقدُ ذاكرتي

لكنّي

في كل صباحٍ تشْرقُ فاجعَتي

في كلِّ صباح

تتكسَّر نافِذتي

و تطلُّ الشمسُ كما اللّصُّ

تفْتَحُني أجفاني

يوقظُُني اللّهبُ

فأرى العالمَ أضْيقَ ممّا يجبُ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  أصدق الناس ... الشعراء

جسدِي الأرضُ

و في كفّي السماءُ

وأنَا

كالمُقتفِي خطوًا

على رملٍ مَضتْ

من فوقِهِ الريحُ

وسوّتْ

من بقايَا الرَّسمِ

شَكلا للبلادِ

بلدٌ يأتِي من التّاريخِ

في ثوبٍ رمادِي

بلدٌ يمْشي كما أعْمَى

وقدْ تاهتْ على موجِ خطَاه

بلدٌ يحتاجُ منفاهُ

ارتَدانِي

واحتَوى صوْتي صَداه

لستُ في الدُّنيا رَسولاً

إنَّما في خيْمتِي

.......... يَأوِي الإله

قد عرفتُ الآن ما يَجْري

وإنّي مولعٌ بالبحثِ عمّا

...  لمْ يدُرْ

كذب اللُيل الذي  يأتي

ويمضِي باردًا

مِثل الحجرْ

مرَّتِ الأفكارُ في فوضَى

و صارتْ

كذبةُ الصبح

سراجًا في المساءِ

كذبٌ في طرق  بابي

في فناجينِ المقاهي

كذبٌ

في ضِحكةِ الأحبابِ

في طيبِ الخواطرِ والنواهِي

كذبٌ يجتاحُ أرْضَ اللهِ

يسْري

في شرايين الإذاعَةْْ

كذبٌ في مكتبِ التَّحريرِ

في حبْر الطِباعةْ

كذبٌ يقتاتُه الأطفالُ

مِن سنِّ الرضَاعةْ

كذبٌ يبنِي عليهِ المُلكُ

عَرشَ الأمراءِ

كذبٌ  يغتالُ

... صِدقَ الشُّعرَاءِ

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

نشيــد

إلى الشاعر محمد علي الهاني الذي شرفني بإنشاد قصيدته عندما عزّ كلامه

 

يبْكي محمّدٌ

منذُ أن فَقد الكَلام

يبْكي محمَّدُ ،  يَرتَدي

كفَنَ العبارةِ

يشتَهي

صوتًا لميلادِ القصيدةِ

فانزَوى...

***

من أيْن لي أن أجْمعَ الأشلاءَ

من جسدٍ رُخام؟

من أين لي

أن أشعلَ الشمْع الذي

قد ماتَ منهُ فتيلُهُ

......و قتيلُه

صوتُ محمد في الظَّلام

يا حيرتِي !

من أين لي

بدءُ النشيدِ؟

من أين

ادخلُ في القصيدِ؟

أحتاجُ كالأطفالِ وقعَ طفولتي

لأراه يمْشي

مثله الألفاظُ تكْبو

ثم تكبُو

ثم  ترتبكُ الشفاهُ على المَدى

أحتاج

من نعليْهِ ترتيبَ الخطى

أحتاجُ

ذاكرةً تعودُ إلى الفطامِ

يبكي...

فتشتبكُ العبارةُ بالقصيدِ

بآهةٍ حرّى

و تسقطُ دمعةٌ أخرى

فتنتفضُ الرِّمال

و يشتَكي سعفُ النخيلِ

و تمرّ في الصّحراء ِ

ــ للصّحراءُ وجهُ محمد .

...... ذكرى ــ

كأنَّ الرّوحَ

يمشي نحوَها جسدُ القتيلِ

وكأنّه العصفورُ

إذْ فقد الجَناحَ

يعودُ من ريشِ الحرامِ

يبْكي كما

طفلٌ تعثر في الزّحام

يا صوتَه الباقي لنا في القلبِ ...

قلْ

من أيْن تأتى الريحُ

أو نبْني لها في الشعْر مئذنة

وهل

...  بحّ الكلامْ؟

يبكي ..

لماذا يشتكي ؟

والناس قد صمتُوا

وأكثرُهم نيامْ ؟

ــــــــــــــــــــــــــــــ

  الأزرق

 

عاجَ البحرُ على الصّخر

و ماج الماءُ

هذا البحَّار...

يرمْي أنظارَه في المُطلقِ

أمواجٌ وبحَارٌ

لا تستنطقٌ

لكنّ البحَّار الشّاعر لم يتذوقْ

طعمَ الكلماتِ ولونَ الماء

لفَّ الشَّاعرُ أمواجَ النفْس

على شجَرٍ لا يُورق

والأوراقُ بلا مجدافٍ ...

بحّار أهملهُ الزَّورقٌ

تنْبعُ من بين خلايا الرُّوح بحَار

الصّنَّارةُ في الخيطِ

وما بين الصَّخرةِ والرُّوح

مدادٌ ينطقُ

والشَّاعر يسال:

يا بحرُ...

من منا الأزْرق؟

....

عاج البحْر على الصَّخرة ثانيةً

الحكمةُ لا تعْنيه

و السَّائل لن يُبحرَ في الشِّعر

بلا بوْصلةِ التِّيه

بلا عاصفةٍ قد لا تأتِى

للعاصفةِ ـ إن جاءتْ ـ

ألوانٌ من  قزح الوقتِ

لكنْ هل تأتِيه

ليسْألَها

عن لونٍ مخْفي؟

ليكونَ البحْر كما يبدُو

للوجهِ الواحدِ ألوانٌ عدّةْ

فتأمل أهْلك

والنّاس وأولي الأمْر إذا شاخُوا

يشرَبُهم كرسيُّ النَّهي ولا يَشرَقْ

وتأمّل ألوان الضحكات

و رملَ الصَّحراء

و قلب الشاعر إذ يتمزقْ

للبحر إذن لون الجَزْر ومَدّهْ

***

البحَّارُ بلا بوصلةٍ

يسأل عن لوْنٍ يتلوَّى

ما بين الأزْرق والأزرقْ

من منّا التائِهُ كي يُبحرَ في الأوْراقِ

ولا يغرقْ؟

الراية كم تتلوّن في الأرضِ

وهذا البلدُ الأزْرق

والزَّمنُ الأسودُ غطَّانا

والحلمُ الأزرق

أرض الله الداكنةُ البكْماءُ

النَّاسُ ظلالٌ في يوم أزْرق

لم اقصُدْ شيئا

قال البحار ولم أصدقْ

فالشعرُ كذُوبٌ / قالوا

والشّاعرُ يلْعن ماءَ الرّوح

يا أحمقْ:

البحْر بلا لونٍ

خذْ كأسًا واملأْها

صافيةٌ كطلاءِ الأبوابِ

صادقةٌ كدهاءِ الأصْحابِ

البحرُ يحبُّ الرِّيح

و يجيدُ النَّقر على صَخْر الحرَّيةِ

يشربُ كل الألْوانِ

و لا يَشرَقْ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  ولادة 

مجنونٌ هذا السّاهرُ ليلَ شتاء

لا يملك شبرًا من أرضِ الله

لا يملك حتَّى

موضعَ قبرٍ

في بلدٍ أرحبَ من صحراء

مسكين...،

ويحبّ الأرض البِكرَ

يحبُّ امرأةً لا تأتيهِ

بلا غَزلِ الشُّعراءِ

امرأةٌ تركُضُ نحوهُ كاللَّفظ الجَامِح

لكنَّه

لا يلْقى صَدرًا يتوسّدُه

فيبيتُ على الورقِ

...و يضيقُ الخاطرُ

تتماوج ألوانُ ّ العالم

فيلم شتات اللفظ

وحزمةَ أفكارٍ

(خفّاشٌ ليليٌّ

..... تصْدمُه النافذةُ البلوريةُ

يهْوي ...

ويطيرُ إلى النّافذةِ الأخرى

... يصدمُها)

يلطمُ هذا السّاهر وجْهَ الوَرقاتِ

الآن تفيض النفسُ

و تدنــــو

بخارُ القهوة ...  يعلـُــو

يتثاقل من فوقِ الفنجانِ

تشْتعِلُ السيجارةُ

خيطُ دُخانٍ

..  يعلـُــو

يحترقُ السَّاهِر... يسمُو

جلمُودا من صَخْرٍ

يتَعالى

…………..

في أرجاءِ الغُرفةِ

...............................

خفاشُ  اللَّيل

يقبّل بلّورَ النافذةِ الأولى

والبلّورُ هشيمٌ

يتمنّى الساهرُ  أنْ تصْعدَ أنفاسُه

نحو فضَاء الله

دخانًا

ـ حتّـــ

و بُخارًا …………….

في كلِّ الأحْوالِ سيَعلُو

طيْرًا أو خيطَ دخان

ارتكبتْ أرضُ الله غَباوتَها

إذ لمْ توقفْ دورانَ الخِصرِ

على وَتدِ الشَّمس

والشّمسُ تناسَت ليلَ السّاهِرِ

ضاقَ الخاطرُ

القابعُ عضّ على الورقِ

وأصرّ على الخلقِ

فازدحمتْ مملكةُ الكلماتِ

جنَّ المعْنى

وانقلبَ الحرفُ على الحَرفِ

يا قلبَ الشّاعرِ في فوْضى !!

من نبضٍ يتهاوَى

وضبابٍ من تعبٍ ليليّ

ودخانٍ

وبخارٍ

ورمادِ الكلماتِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مضيق

عرضًا ...

…………

كان بابُ المدينةِ يَطرُقني

جثةُ الضَّوْء

في رحِم اللَّيلِ

كانتْ

على غفلةٍ من رفيقِي

تضيءُ الطّريق

و...

كان القطيعُ من الشَّعبِ أعْمى

وكنتُ...

سأشحذ من لغَتي

أحْرفَ النَّار

أشْلاءَ رِيح

وأجنحةً

لانتصارِ الحَريق/انكسارِ المَضيق

وكنتُ على خيبةٍ

ــ لستُ أحسبُ كم خيبةً فرذَقتْنا

وكمْ عثرةً

لسْت أحسبُها الأزَماتُ

فلا جثةُ الضّوء أيقظتِ الجَمْرَ

لا الأرضُ سائرةٌ خلفَ

حلْمِ القَطيع

ولا جَسدي يتآلفُ بين خلايَاه

لا لغتِي تشتهِي

أن تنيرَ طريقي

تعال إذن يا صديقي

سنبْكي فُرادى

على لغةٍ

أمَّةٍ

تربةٍ

في المضيقِ

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 امــرأة الحانة

ليتَها وصَلَتْ !!

فأمامي على البَارِ

...كاسٌ فقطْ

وأمامي الزجاجةُ

قد بالغَتْ في الدّلالِ

وطافتْ بزينتِها

تستحثُّ خطاها

إلى الضّيقِ في خاطري

واعتلَى وجْهَها الملَلُ

وأنا

ما شربْتُ

... ولكنَّني ثملُ

ليتَها

وصلَتْ !!

فالكؤوسُ التي تستحِي عادَةً

سخرَتْ

وأشارتْ إليّ

... بطرْفِ الأصابعِ

تدْعو لقارورَتي

وهْي عذراءُ،

خضراءُ

...بالانكسارِ

...إذا

رَقصَتْ

ليتها وصلتْ!

***

ليتها وصلَتْ

قبل أن يشتكي نادلي

كسَلي

أو يقررُ سحبَ العروسِ

وينهرُني

ليتَها وصلَتْ !

لتصبَّ معِي

أو تعبَّ معِي

فأعودَ إلى كبريائِي

إلى هيبتِي مثلما اكتملتْ

ليتها وصلتْ !

* * *

أمعنتْ

ـ يا لقسْوَة خضْرتِهاـ

في احتقارِي

فما أدمعَتْ وجنتاها بكاءً

ولكنَّها

لتؤجِّجَ في الكفِّ نَاري

ولا زلتُ المسُها

ثم التمسُ اللّطفَ منْها

واطلبُ دوْما وَقَاري

أجاملُها

وأقول لَها

أنتِ أحْلى العذَارى

وأشرفهنَّ جميعًا

وأنتِ....

...وأنتِ

إذا شئتِ

فلتشْربي وِحدتِي

أو فمرِّي إذا ما سكرتٍ

إلى دارِ تلك التي أبْطأتْ

***

ليتَها وصلَت !!

ومشَتْ

قرب نافذة البَارِ

أو.... سلّمتْ

لو بطرفِ الأصابعِ

ثمّ انحنتْ

لتقبّلني

وتثيرَ عليّ الفضول

فيرتبكُ النادِل / العسكرِيُّ

ويسكُبُ خمْرَ الوصول

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  امرأة النّهدين

نَهْدَانِ

يَا خَوْفِي

علَى النَّهْدَيْنِ من  لَهْفِي

فلي كفٌّ حَرِيقْ

عِقْدانِ مَرَّا فَوْقَ عُودِهما الرَّقِيقْ

نهْدان مُذْ وُلِدا

كأنَّ الأرْضَ لمْ تَطْلعْ لَها

شَمسٌ

ولا قَمَرٌ

...

ولا حتَّى بَرِيقْ

***

نَهْدانِ مُذْ كَبُرَا

وشَعَّ الخَوْفُ

لمْ يَتَبيّنَا وَجْهَ النَّهَارِ

فَلَوْ... سَعَى...

...... أعْمَى

بِضَوْئِهمَا

لأبْصَرَ

............في ظَلامِ الليلِ

.. نَمْلاً ..... في المَضِيقْ

نهْدان والصّدْريةُ الحمقاءُ

تعتصِرُ الغَريقْ

نهدان لا يتَلامَسان

كأنّما

قد فرَّقَ الوجْدانُ بينَهما

فما حنَّ المُرَافِق للرّفِيق

***

نهدان لا يتَكاسَلان

وإنَّما

قلْبي يفَكِّر فيهما

فيَهيمُ في رسْم  الطَّريق

نهْدان نامَا

طولَ عمْرهما

……..ولا من يَسْتفِيق

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

امرأة الظنّ

 

كيفَ أرسمُ امرأتي ؟

لم يجئْ صوتُ هوْدجِها

لم تفرّخْ بذاكرتي

ربما لم تمرَّ على القلبِ بعدُ

وقدْ ... لَم تلدْها النساءُ

(و أحْلى النّساءِ يجِئْن من الظنِّ)

أترك للقلبِ ما قد يَرى

ستكون لَنا امرأةٌ من بَخُورٍ، شعُور

....  سرابٍ

ضبابٍ…

.....   نَدَى

أو كما تشْتَهيها مُخيَّلتي

من حفيفِ الكلامِ

وبعضِ الصَّدى

طيفُها مثل رِيشِ الحَرامِ

وأنفاسُها منْ شذاَ

صوتُها

نغمةٌ تستردُّ النَّشيد

ولهجتُها

لكْنةُ الطفلِ إذ يتهَجّى الكلام

لها دَقّةُ القلبِ

إن بادرتْ بالسَّلام

لها رقّةٌ من أنوثةِ هذا الزمان

لها وَجْنتانِ

كأنهما قَمرَانِ

وقد نزلا توْأمَينِ

على ليلةٍ من شِتاء

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

امرأة الاعتراف

 

 

قالتْ أحبُّ ...

وما أكملتْ كافَــ...ها

فلعنتُ اللغاتِ التي ابتلعتْ

حرْفَها

و تخيّلتُ إني سمعتُ

أحبُّك ..يا....

لم أجدْ ما أضيفُ....أضافتْ

و خافتْ

على الشَّفتينِ فعضَّتْهما بارْتباكٍ

ودارتْ على وتدِ الصّمت

وارتجَفتْ

أسقطتْ ورَق التّوتِ

واعترفتْ

حولي الينابِيع جفّتْ

و لي جسدٌ في اللظَى

يتشظَّى

سنونٌ عجافٌ تمُرُّ وما رأفتْ

هكذا اعْترفتْ

عرفتْ

إنني المطرُ

قطرةً ...

.....قطرةً

.....قطرةً

ينزفُ الحبُّ.... دقّا

على قلْبِها

قطعةً...قطعةً

...قطعةً

ينْزلُ الخَوفُ خوفًا

على ثوبِها

قلعةً...قلعةً ...

تتَسلقُ عرشِي

وتمشِي

إلى النَّوءِ في راحةِ الأوحَدِ

في..... دربِها

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  امرأة من ندَى

يغوصُ مع القلبِ

وجهُ الحبيبةِ

أو تتلاشَى التفاصيلُ

من بحْرِ ذاكِرتي

فأجادِلُ نفسِي قليلا:

هِيَ امْرأةٌ

قد تفاجئُني بارْتِجَاج القصيدِ

كوخْزِ مُكاشفةٍ

أو كميلادِ لفظٍ جديد

هي امرأةٌ

ترتدي رغبَةَ الاحْتفاءِ

توقّع خطوتها باتِّزان القوَافِي

وتأتِى

كما فكرةٌ من بعيد

كما موجَةٌ العِشْق

تلطِمها صخرةُ الكبرياءِ

فألْمَحُني

باحثًا عن صَوَابٍ

وأحتاجُ امرأةً

شكلُها واضِحٌ كالقصِيد

وجهُها يتشَرّبُني

كلما هبَّتِ الصفحاتُ إليّ

وأحتاج ذاكرةً من جَلِيد

لأودِعَها

مثلما صنَعتْها القَوافي

على مَهْلِها بانْزِياحٍ جَديد

إلى القدِّ

والصوتِ……   والوقعِ

والطبعِ …

والجِيد

كم أشتهي!!

صدرَها شاطئًا  بربريًّا

تَساقط من ضَفتَيهْ الغزاةُ

وتاهُوا بعيدا عن الحِلمَتين

ومملكَتي

لا حدودَ لها

تتهادَى على ضَفّتينِ

كما امرأةٌ من نَدَى

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

امرأة لما بعد الخمسين

هبّتْ فأدرَكني القصِيد

وهفتْ كما لو أنَّها

في القبلةِ الأولى

على خدٍّ عنيد

هبّتْ ونفْسي

لم تزل تحْصي

سنينَ الجدْبِ

في عُمر  حَصيد...

الآن  تُدرِكني

وتُرْبِكنِي السنُون

والوقتُ

يلقى في وجيبِ القلبِ لعبتَه

والقلبُ

بحرٌ ودّعَته الريحُ من زمنٍ

والريحُ

تأكلُ من خُطاي

مرّتْ على القلبِ ..

ما عدتُ افرِزُها الرّياح

من الجراحِ

القلبُ بحرٌ طامعٌ

والشيْبُ موجٌ طالعٌ

كفنٌ على ذكرَى صِباي

...................

وغدا سيأتي الأربعاءُ

..............بلا خميس

يمشي لها قلبي

وتشقَى خلفَه الأقدامُ

ترتبك الخُطى

وأخافُ من نفسِي

على كفِّي

سيفضحها السّلام

وتنام كفّي حيثما شاءت على كفٍّ

..... على كتفٍ

........على ريشِ الحرام

وأقول ما قد اشتهي

أو ينتهي

افق الكلام على الغرُوب

وأظل جمْرا في رَمادِ العُمْرِ

مثل محاربٍ

يحتاجُ

جَعْجعةَ الحُروب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 امرأة الإرهاب 

 

تهددُني...

إن أنا لم أمرَّ على بيْتِها

في الصَّباحِ

وبعدَ الضّحى

في هبوطِ المَساءِ

وحين تموتُ الخُطى

وتعودُ الطيورُ لأعشاشِها

 

***

تهدِّدني إن أنا

لم أخطّ على الجُدُرانِ

بفحمِ التّلاميذِ..

إنِّي أُحبُّ..

واتركُ ما بيْن  (قوسين ...)

متَّسعًا لإضافةِ إسْمي

على اسْمِها

***

تهدِّدني

إن أنا لم أبَادِرْ

بفِقدان ذاكِرتي

لم أغامرْ

بتشْريدِ

كل الشّفاهِ التي

حَفِظتْ لُغَتي

وتهدّدني

إن تباطأتُ في الرّيح

أو شدَّني مطرٌ في الطَّريقِ

وإن شقَّتِ السيْرَ عاشقةٌ

فاشتَكَتني إليّ

تهدِّدني إن أنا

كنت مثْل الرِّجالِ جميعًا

فلم ابتدعْ حبَّها

من رمادِ الحريقِ